عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

165

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

المعاش نسبة شعاع ذلك الماء إذا وقع على جدار ، فالنظر مثلا في الماء يأخذه هيئة الشمس على صحة ، ويأخذ نوره على جلية ، كما لو رأى الشمس لا يكاد يظهر الفرق بينهما ، إلا أن الناظر إلى الشمس يرفع رأسه إلى العلوّ ، والناظر إلى الماء ينكس رأسه إلى أسفل ، فكذلك العقل الكلي ينكس بنور قلبه إلى محلّ الكتاب ، فيأخذ منه العلوم المتعلقة بالأكوان ، وهو الحدّ الذي أودعه اللّه تعالى في اللوح المحفوظ ، بخلاف العقل الأول فإنه يتلقى عن الحق بنفسه ، ثم إن العقل الكلي إذا أخذ من اللوح وهو الكتاب إنما يأخذ علمه إما بقانون الحكمة وإما بمعيار القدرة على قانون وغير قانون ، فهذا الاستقراء منه انتكاس ، لأنه من اللوازم الخلقية الكلية لا يكاد يخطئ ، إلا فيما استأثر اللّه به ، فإن اللّه إن أنزله إلى الوجود لا ينزله إلا إلى العقل الأول فقط ، هكذا سنة اللّه فيما استأثر به من علومه ، إلا أن لا يوجد في اللوح المحفوظ : واعلم أن العقل الكلي قد يستدرج به أهل الشقاوة فيفتح به عليهم في مجال أهويتهم لا في غيرها ، فيظفرون على أسرار القدرة من تحت سجف الأكوان ، والأفلاك والنور والضياء ، وأمثال ذلك ، فيذهبون إلى عبادة هذه الأشياء ، وذلك بمكر اللّه بهم والنكتة فيه . أن اللّه سبحانه يتجلى في لباس هذه الأشياء التي يعيدونها ، فيدركها هؤلاء بالعقل الكلي فيقولون بأنها هي الفاعلة ، لأن العقل الكلي لا يتعدى الكون فلا يعرفون اللّه به ، لأن العقل لا يعرف اللّه إلا بنور الإيمان ، وإلا فلا يمكن أن يعرفه العقل من نظره وقيامه ، سواء كان عقل معاش أو عقلا كليا ، على أنه قد ذهب أئمتنا إلى أن العقل من أسباب المعرفة ، وهذا من طريق التوسع لإقامة الحجة ، وهو مذهبنا . غير أني أقول : إن هذه المعرفة المستفادة بالعقل منحصرة مقيدة بالدلائل والآثار ، بخلاف معرفة الإيمان فإنها مطلقة ، فمعرفة الإيمان متعلقة بالأسماء والصفات ، ومعرفة العقل متعلقة بالآثار ، فهي ولو كانت معرفة لكنها ليست عندنا بالمعرفة المطلوبة لأهل اللّه تعالى ، ثم نسبة عقل المعاش إلى العقل الكلي نسبة الناظر إلى الشعاع ، ولا يكون الشعاع إلى من جهة واحدة ، فهو لا يتطرّق إلى هيئة الشمس ولا يعرف صورته ، ولا يعلم النور المتشكل في الماء لا طوله ولا عرضه ، بل بخرص بالفرض والتقدير فتارة يقول بطوله لما يزعم أنه دليل على الطول ، وتارة يقول بعرضه كذلك ، فهو على غير تحقيق من الأمر ، وكذلك عقل المعاش فإنه لا يضيء إلا من جهة واحدة ، وهي وجهة النظر والدليل بالقياس في الفكر ، فصاحبها إذا أخذ في